من أبرز ما جاء في قانون الإيجارات غير السكنية رقم 11/2025، المعدّل بالقانون رقم 24/2025، هو تنظيم آلية احتساب بدل المثل والزيادات التدريجية على بدل الإيجار. ويُعدّ هذا الموضوع من أهم النقاط العملية التي تهمّ المالكين والمستأجرين في لبنان، خصوصاً في العقود التجارية والمهنية والحرفية القديمة.
يهدف القانون إلى الانتقال تدريجياً من نظام الإيجارات القديمة والتمديد القانوني إلى مرحلة أكثر توازناً، من خلال تحديد بدل إيجار عادل يرتبط بالقيمة الفعلية للمأجور، مع اعتماد زيادات تدريجية تمنح المستأجر مهلة للتأقلم وتمنح المالك في المقابل عائداً أقرب إلى الواقع الحالي.
في هذا الدليل، نشرح بأسلوب مبسّط كيف يُحسب بدل المثل في قانون الإيجارات غير السكنية، وما هي نسب الزيادات السنوية، وكيف يتم الاتفاق عليها أو اللجوء إلى القضاء عند وجود خلاف بين المالك والمستأجر.
ما هو بدل المثل في قانون الإيجارات غير السكنية؟
بدل المثل هو القيمة الإيجارية العادلة للمأجور في السوق الحالية، أي البدل الذي يمكن أن يحققه العقار لو كان شاغراً ومطروحاً للإيجار وفقاً للظروف الواقعية والقانونية المحيطة به.
وبحسب القانون، لا يُنظر فقط إلى بدل الإيجار القديم المدفوع سابقاً، بل يتم تقييم المأجور على أساس قيمته الفعلية، موقعه، مساحته، حالته، وطبيعة النشاط القائم فيه.
وفقاً للمادة 4 المعدّلة، يُحتسب بدل المثل على أساس:
5% من القيمة البيعية للمأجور في حالته الحاضرة فيما لو كان خالياً.
وتُعتبر هذه النسبة من أهم التعديلات التي طرأت على القانون، إذ تم تخفيضها من 8% في النص الأصلي إلى 5% بموجب التعديل الصادر سنة 2025، ما يشكّل تخفيفاً نسبياً على المستأجرين ويجعل الزيادة أكثر قابلية للتطبيق العملي.
كيف يُحدّد بدل المثل؟
نظّمت المادة 5 من القانون آلية تحديد بدل المثل بطريقة واضحة، وذلك إما بالاتفاق الرضائي بين المالك والمستأجر، أو عبر اللجوء إلى القضاء عند تعذّر الاتفاق.
أولاً: الاتفاق الرضائي بين المالك والمستأجر
يمكن للمالك والمستأجر الاتفاق مباشرة على قيمة بدل المثل. وتبدأ هذه العملية عادةً من خلال دعوة يوجهها المالك إلى المستأجر للتفاوض حول البدل الجديد.
ويتم إرسال الدعوة عبر بطاقة مكشوفة مضمونة أو بموجب كتاب لدى الكاتب العدل، وعلى المستأجر الرد خلال المهلة المحددة قانوناً.
- يرسل المالك دعوة للتفاوض حول بدل المثل.
- على المستأجر الرد خلال 20 يوماً من تاريخ التبليغ.
- في حال الاتفاق، يتم توقيع عقد خطّي يثبت البدل الجديد.
- يُفضّل أن يتضمن الاتفاق تفاصيل واضحة حول قيمة البدل، تاريخ بدء تطبيقه، وآلية الدفع.
هذا الخيار هو الأفضل في كثير من الحالات لأنه يجنّب الطرفين كلفة الوقت والنزاع القضائي، لكنه يحتاج إلى تفاوض مدروس ومبني على تقييم واقعي للمأجور.
ثانياً: اللجوء إلى القضاء عند الخلاف
إذا لم يتوصل المالك والمستأجر إلى اتفاق حول بدل المثل، يمكن لأي من الطرفين اللجوء إلى القاضي المنفرد المدني الناظر بدعاوى الإيجارات.
وضع القانون آلية سريعة نسبياً للفصل في الخلاف، وتشمل:
- تعيين خبير خلال أسبوع من تقديم الدعوى.
- تقديم تقرير الخبرة خلال أسبوعين، قابلة للتمديد لمرة واحدة.
- صدور الحكم خلال شهر واحد من اختتام المحاكمة.
- إمكانية الاستئناف خلال 8 أيام.
- يكون قرار محكمة الاستئناف مبرماً.
وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تمنع بقاء النزاع مفتوحاً لسنوات، وتساعد على تحديد بدل الإيجار الجديد ضمن إطار قانوني واضح.
الزيادات التدريجية على بدل الإيجار
لا ينتقل المستأجر عادةً من البدل القديم إلى بدل المثل الكامل دفعة واحدة. فقد اعتمد القانون نظام الزيادات التدريجية، أي رفع بدل الإيجار على مراحل خلال فترة التمديد، بحسب طبيعة العقد والفئة التي ينتمي إليها.
وتُعد هذه الزيادات التدريجية جزءاً أساسياً من فلسفة القانون، لأنها تحاول تحقيق توازن بين حق المالك في الحصول على بدل عادل، وحق المستأجر في عدم مواجهة زيادة مفاجئة وغير قابلة للتحمّل.
الفئة الأولى: عقود التمديد لخمس سنوات
بالنسبة للعقود التي تستفيد من تمديد لخمس سنوات، تطبق الزيادات بالشكل التالي:
- السنة الأولى: 30% من فارق الزيادة بين البدل القديم وبدل المثل.
- السنة الثانية: 40% من فارق الزيادة.
- السنة الثالثة: 50% من فارق الزيادة.
- السنتان الرابعة والخامسة: بدل المثل كاملاً.
الفئة الثانية: عقود التمديد لست سنوات
بالنسبة للعقود التي تستفيد من تمديد لست سنوات، تكون الزيادات على الشكل التالي:
- السنة الأولى: 30% من فارق الزيادة.
- السنة الثانية: 40% من فارق الزيادة.
- السنة الثالثة: 50% من فارق الزيادة.
- السنوات الرابعة والخامسة والسادسة: بدل المثل كاملاً.
الفئة الثالثة: عقود التمديد لسبع أو ثماني سنوات
أما العقود التي تستفيد من تمديد لسبع أو ثماني سنوات، فتخضع لتدرّج أطول نسبياً:
- السنة الأولى: 30% من فارق الزيادة.
- السنة الثانية: 40% من فارق الزيادة.
- السنة الثالثة: 50% من فارق الزيادة.
- السنة الرابعة: 60% من فارق الزيادة.
- السنوات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة: بدل المثل كاملاً، بحسب مدة التمديد المطبقة على العقد.
مثال عملي على احتساب بدل المثل والزيادة التدريجية
لتوضيح الفكرة، لنفترض أن بدل الإيجار الحالي هو 1,000,000 ليرة لبنانية، وأن بدل المثل الذي تم تحديده للمأجور هو 6,000,000 ليرة لبنانية.
في هذه الحالة، يكون فارق الزيادة بين البدل القديم وبدل المثل هو:
6,000,000 – 1,000,000 = 5,000,000 ليرة لبنانية
في السنة الأولى، إذا كانت نسبة الزيادة 30% من الفارق، يصبح البدل السنوي أو الدوري، بحسب طريقة الاحتساب المعتمدة في العقد، على الشكل التالي:
1,000,000 + (30% × 5,000,000) = 2,500,000 ليرة لبنانية
ثم ترتفع الزيادة تدريجياً في السنوات التالية وفقاً للفئة القانونية التي يخضع لها العقد، إلى أن يصل البدل إلى بدل المثل الكامل في السنة المحددة قانوناً.
ملاحظة مهمة: هذا المثال توضيحي فقط. طريقة الاحتساب النهائية قد تختلف بحسب تفاصيل العقد، تاريخ الإيجار، طبيعة المأجور، الفئة القانونية، وأي اتفاق خاص بين المالك والمستأجر.
ما أهمية الخبرة العقارية في تحديد بدل المثل؟
تحديد بدل المثل لا يجب أن يتم بشكل عشوائي. فالخبير العقاري يلعب دوراً أساسياً في تقدير القيمة البيعية للمأجور، وهي القيمة التي تُبنى عليها نسبة 5%.
وتشمل العناصر التي قد تؤثر على التقييم:
- موقع المأجور والمنطقة العقارية.
- المساحة الفعلية للمأجور.
- حالة البناء والمأجور.
- واجهة المحل أو المكتب ومدى ظهوره التجاري.
- طبيعة النشاط القائم في المأجور.
- الأسعار الرائجة في المنطقة لعقارات مشابهة.
- وجود تحسينات أو ترميمات أو نفقات قام بها المستأجر.
لذلك، فإن أي تفاوض أو دعوى تتعلق ببدل المثل يجب أن تستند إلى مستندات واضحة وخبرة دقيقة، حتى لا يتضرر أي من الطرفين.
إعفاءات من الرسوم والإجراءات المرتبطة بالقانون
نص القانون أيضاً على بعض الأحكام المتعلقة بالرسوم والإجراءات، ومنها أن بعض المراجعات القضائية المرتبطة بتنفيذ الإخلاء تخضع للرسم المقطوع، وأن بعض معاملات الكاتب العدل المتعلقة بالتخمينات والإنذارات تُعفى من الرسوم النسبية ورسم الطابع.
وتساعد هذه الأحكام على تسهيل تطبيق القانون وتقليل جزء من الأعباء الإجرائية على الأطراف، خصوصاً في الملفات التي تحتاج إلى تبليغات أو تخمينات أو إجراءات رسمية.
متى يجب استشارة محامٍ؟
يُنصح باستشارة محامٍ مختص قبل الدخول في أي تفاوض أو إرسال أي إنذار أو تقديم أي دعوى متعلقة بـبدل المثل أو الزيادات التدريجية.
وتصبح الاستشارة القانونية ضرورية بشكل خاص في الحالات التالية:
- إذا كان عقد الإيجار قديماً ومنتهية مدته الأصلية قبل 23/7/1992.
- إذا كان هناك خلاف حول القيمة البيعية للمأجور.
- إذا رفض أحد الطرفين التفاوض أو الرد ضمن المهلة.
- إذا كان المأجور مرتبطاً بمؤسسة تجارية أو مهنية.
- إذا كان المستأجر قد تحمّل نفقات ترميم أو إعادة بناء أو تحسينات أساسية.
- إذا كان هناك نزاع حول الفئة القانونية أو مدة التمديد.
يمكنكم أيضاً التواصل مع Phoenix Law Firm لمراجعة وضع عقد الإيجار وتقييم الخيارات القانونية المناسبة.
خلاصة
تُعتبر آلية بدل المثل والزيادات التدريجية في قانون الإيجارات غير السكنية رقم 11/2025 من أهم الأدوات التي اعتمدها المشرّع لتحقيق التوازن بين المالك والمستأجر.
فمن جهة، تمنح هذه الآلية المالك فرصة للوصول تدريجياً إلى بدل إيجار أقرب إلى القيمة العادلة للمأجور. ومن جهة أخرى، تمنح المستأجر فترة انتقالية تساعده على التأقلم مع الزيادات وعدم مواجهة عبء مالي مفاجئ.
لذلك، فإن فهم طريقة احتساب بدل المثل، ونسب الزيادات، وإجراءات التفاوض أو التقاضي، هو أمر ضروري لكل مالك أو مستأجر معني بعقد إيجار غير سكني قديم في لبنان.
هل تحتاج إلى مراجعة عقد إيجار غير سكني؟
يمكن لفريق Phoenix Law Firm مساعدتك في دراسة عقد الإيجار، احتساب بدل المثل، مراجعة الإنذارات أو التبليغات، وتمثيلك في التفاوض أو أمام القضاء عند الحاجة.
للتواصل معنا، يمكنكم زيارة صفحة الاتصال بـ Phoenix Law Firm.
تنويه: هذا المقال هو لأغراض إعلامية عامة ولا يشكّل استشارة قانونية. تختلف الإجراءات والنتائج بحسب تفاصيل كل عقد وحالة، لذلك يُنصح دائماً بمراجعة محامٍ مختص قبل اتخاذ أي إجراء قانوني.